رفيق العجم

مقدمة 10

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

« تخبّط برهة في دياجير شكوكية حادة ظهر استعداده لها منذ شبابه الأول . يؤيّد هذا تأصّل الشكّ في نفسية الغزالي وصولا لليقين التام . وفيما هو يجوز هذه الأزمة الروحية تمّت له تجربة دينية حاسمة . . . عصفت بالغزالي أعاصير من الأسئلة حول الآخرة والبعث ، فلما كانت 1095 م اعتزل منصبه السامي ببغداد وطفق يتنقّل في البلاد » « 1 » . ولعلّ قراءة متأنّية للمنقذ من الضلال تنير الدرب لهذا المسلك النفسي . فقد ذكر الغزالي أنه بدأ يشكّ في الحسيات والضروريات ثم انتقل إلى الشكّ في العقليات ، ولم يجد في الحسّ أو العقل برد اليقين والحاكم الهادي فكما تجلّى حاكم العقل ليكذّب حاكم الحسّ ، كذلك تجلّى الشكّ ليقول ربما كان وراء حاكم العقل حاكما آخر . فتوقّفت النفس في جواب ذلك وأيّدت إشكالها بالمنام . فيمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها . فإذا وردت تلك الحالة تيقّنت أن جميع ما توهّمت بعقلك خيالات لا حاصل لها . . . فلعلّ الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة . عندها يقول الغزالي : « فلمّا خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجا فلم يتيسّر ، إذ لم يمكن دفعه إلّا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلّا من تركيب العلوم الأولية ، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل . فأعضل هذا الداء ، ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال » . ولم يلبث الإمام أن شفي من مرض الشكّ هذا ، فعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، « . . . ولم يكن ذلك بتنظيم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه اللّه تعالى في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظنّ أن الكشف موقوف على الأدلّة المحرّرة فقد ضيق رحمة اللّه الواسعة » « 2 » . وبعد أن انقضت هذه الأزمة النفسية الشكّية عاودت الإمام بعد حين أزمة ثانية أشدّ عمقا وأقوى استفحالا ، جعلته يغيّر أسلوب حياته . ولعلّ المتتبّع لعرض مشاعر وأفكار الغزالي في المنقذ يعثر على حيرة دفينة في داخله تأتّت من تقاطع العلوم وتضاربها في ذهنيته . يقول مثلا : « ولم أزل في عنفوان شبابي وريعان عمري ، منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السن على الخمسين ، أقتحم لجّة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض

--> ( 1 ) بروكلمان ، كارل ، تاريخ الشعوب الإسلامية ، ترجمة فارس وبعلبكي ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1968 ، ص 275 . ( 2 ) الغزالي ، المنقذ من الضلال ، تحقيق سميح دغيم ، بيروت ، الفكر اللبناني ، 1993 ، ص 55 .